صديق الحسيني القنوجي البخاري

130

فتح البيان في مقاصد القرآن

الإبراق والإرعاد ما تراه ، وقد تأيّدت بما روي من الأخبار الشداد ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لزوال الدنيا عند اللّه أهون من قتل مؤمن » « 1 » وقوله : « لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه » وقوله : « من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة اللّه » « 2 » ونحو ذلك من القوارع . ولا متمسك للمعتزلة فيها لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام ، وقد روي مرفوعا عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « هو جزاؤه إن جازاه » . قال الواحدي : والأصل في ذلك أن اللّه عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد ، وإن امتنع أن يخلف الوعد ، وبهذا وردت السنة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حديث أنس أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من وعده اللّه على عمله ثوابا فهو منجزه له ، ومن أوعده على عمله عقابا فهو بالخيار » . والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور ، لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك ، كيف لا وقد قال اللّه تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ولو كان هذا إخبارا بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارضة قوله تعالى : وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] انتهى كلام أبي السعود ملخصا . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 94 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 94 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا هذا متصل بذكر الجهاد والقتال ، والضرب السير في الأرض ، تقول العرب ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما ، وتقول ضربت الأرض بدون في ، إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يخرج الرجلان يضربان الغائط » « 3 » . والتبيّن هو التأمل وهي قراءة الجماعة ، إلا حمزة فإنه قرأ « فتثبتوا » من التثبت ، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم قالا : لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت ، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن التبيّن والتثبت في أمر القتل واجبان حضرا وسفرا بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سبب نزول الآية كانت في السفر .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الديات باب 7 ، وابن ماجة في الديات باب 1 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الديات باب 1 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الطهارة باب 7 ، وأحمد في المسند 3 / 36 .